ابن قيم الجوزية

152

الروح

قلت : يريد الأحاديث المتواترة مثل : حديث ابن عمر هذا ، ومثل : حديث البراء بن عازب الذي تقدم وفيه : « هذا مقعدك حتى يبعثك اللّه يوم القيامة » ، ومثل حديث أنس أن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه أنه ليسمع قرع نعالهم ، وفيه أنه يرى مقعده من الجنة والنار ، وأنه يفسح للمؤمن في قبره سبعين ذراعا ويضيق على الكافر ، ومثل حديث جابر : إن هذه الأمة تبلى في قبورها ، فإذا دخل المؤمن قبره وتولى عنه أصحابه أتاه ملك ( الحديث ) وأنه يرى مقعده من الجنة فيقول : دعوني أبشر أهلي ، فيقال له : أسكن فهذا مقعدك أبدا ، ومثل سائر أحاديث عذاب القبر ونعيمه التي تقدمت ، ومثل أحاديث السلام على أهل القبور وخطابهم ومعرفتهم بزيارة الأحياء لهم ، وقد تقدم ذكر ذلك كله . وهذا القول تردده السنّة الصحيحة والآثار التي لا مدفع لها ، وقد تقدم ذكره ، وكل ما ذكر من الأدلة فهو يتناول الأرواح التي هي في الجنة بالنص وفي الرفيق الأعلى . وقد بينا أن عرض مقعد الميت عليه من الجنة والنار لا يدل على أن الروح في القبر ولا على فنائه دائما من جميع الوجوه ، بل لها إشراف واتصال بالقبر وفنائه ، وذلك القدر منها يعرض عليه مقعده ، فإن للروح شأنا آخر يكون في الرفيق الأعلى في أعلى عليين ، ولها اتصال بالبدن ، بحيث إذا سلم المسلم على الميت رد اللّه عليه روحه ، فيرد عليه السلام ، وهي في الملأ الأعلى ، وإنما يغلط أكثر الناس في هذا الموضع حيث يعتقد أن الروح من جنس ما يعد من الأجسام التي إذا شغلت مكانا لم يمكن أن تكون في غيره . وهذا غلط محض ، بل الروح تكون فوق السماوات في أعلى عليين ، وترد إلى القبر ، فترد السلام وتعلم بالمسلم ، وهي في مكانها هناك ، وروح رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في الرفيق الأعلى ، ويردها اللّه سبحانه إلى القبر فترد السلام على من سلم عليه وتسمع كلامه ، وقد رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم موسى قائما يصلي في قبره ، ورآه في السماء السادسة والسابعة ، فإما أن تكون سريعة الحركة والانتقال كلمح البصر ، وإما أن يكون المتصل منها بالقبر وفنائه بمنزلة شعاع الشمس وجرمها في السماء ، وقد ثبت أن روح النائم تصعد